علي بن محمد البغدادي الماوردي

304

أدب الدنيا والدين

ومنها ما يعتاضه من الارتياض بنوائب عصره ويستفيده من الحنكة « 1 » ببلاء دهره فيصلب عوده ويستقيم عموده ويكمل بأدنى شدّته ورخائه ويتعظ بحالة عفوه وبلائه . حكي عن ثعلب قال : دخلت على عبيد اللّه بن سليمان ابن وهب وعليه خلع الرضا بعد النكبة « 2 » فلما مثلت بين يديه قال لي يا أبا العباس اسمع ما أقول : نوائب الدهر أدّبتني * وإنما يوعظ الأديب قد ذقت حلوا وذقت مرّا * كذاك عيش الفتى ضروب لم يمض بؤس ولا نعيم * إلّا ولي فيهما نصيب كذاك من صاحب الليالي * تغدوه من درّها الخطوب فقلت لمن هذه الأبيات قال لي ومنها أن يختبر أمور زمانه ويتنبه على صلاح شانه فلا يغتر برخاء ولا يطمع في استواء ولا يؤمل أن تبقى الدنيا على حالة أو تخلو من تقلب واستحالة فإن من عرف الدنيا وخبر أحوالها هان عليه بؤسها ونعيمها . وأنشد بعض الأدباء : إني رأيت عواقب الدنيا * فتركت ما أهوى لما أخشى فكرت في الدنيا وعالمها * فإذا جميع أمورها تفنى وبلوت أكثر أهلها فإذا * كل امرئ في شأنه يسعى أسنى منازلها وأرفعها * في العز أقربها من المهوى تعفو مساويها محاسنها * لا فرق بين النعي والبشرى ولقد مررت على القبور فما * ميزت بين العبد والمولى أتراك تدري كم رأيت من الأ * حياء ثم رأيتهم موتى فإذا ظفر المصاب بأحد هذه الأسباب تخففت عنه أحزانه وتسهلت عليه أشجانه فصار وشيك السلوة قليل الجزع حسن العزاء . وقال بعض

--> ( 1 ) الحنكة : بضم الحاء : استحكام الرأي والعقل بالتجارب . ( 2 ) النكبة : هي الحادثة الشديدة ، والنائبة المؤثرة .